Skip To The Main Content

الأخبار

الإمارات ورحلة المريخ

سعيد القرقاوي

شعبان 27, 1436

تعمل وكالة الإمارات للفضاء بدأب مع مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة (إياسات) على إنشاء واختبار ومن ثم إطلاق أول محاولة عربية لإرسال مسبار فضائي إلى الجار الأقرب إلينا ضمن مجموعتنا الشمسية وهو المريخ.

"استكشاف الفضاء شاق ومكلف وملئ بالصعوبات، ولكن عندما تحلم أمة بشيء عظيم كاستكشاف الفضاء .. فإن مستقبلها يبدأ قبل غيرها"
الدكتور نيل ديغريس تايسون – عالم الفيزياء والفضاء

تعمل وكالة الإمارات للفضاء بدأب مع مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة (إياسات) على إنشاء واختبار ومن ثم إطلاق أول محاولة عربية لإرسال مسبار فضائي إلى الجار الأقرب إلينا ضمن مجموعتنا الشمسية وهو المريخ. ومن الطبيعي أن يسترعي هذا المشروع الاهتمام لضخامة طموحاته، وأن يثير التساؤلات حول الأسباب التي دفعت بدولة الإمارات لإقراره وتنفيذه دون تردد، وأن يثير الفضول حول آثاره المستقبلية من تحولات قد تدخل على مناهج التعليم وأساليبه في العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات STEM ليس في دولة الإمارات فحسب، بل في المنطقة بأكملها، وما قد يصاحب ذلك من ولادة ثقافة جديدة في الأوساط العلمية والأكاديمية العربية تتمحور حول العلوم المتقدمة والطيران والفضاء.

أولاً دعونا نؤكد على أن قيام أي حكومة أو مؤسسة بإرسال مسبار إلى الفضاء يعتبر بطبيعة الحال أمراً استثنائياً، فما بالنا إذاً بدولة ترسل مركبة فضائية إلى المريخ تحديداً محملة بآمال وطموحات شعب كامل من وسط إقليم يرزح تحت الضغوطات والاضطرابات منذ مئات السنين؟ وما هي القوة الدافعة وراء مثل هذا الإنجاز؟

لدى دولة الإمارات رغبة في إثبات أن الشرق الأوسط فيه دول طموحة وتنافسية - متمثلة بدولة الإمارات تحديداً - قادرة على بناء مركبة فضائية وإطلاقها في رحلة عبر الكواكب تعتبر من الأصعب والأكثر تعقيداً، خصوصاً وأن مدار المريخ حول الشمس ليس دائرياً، بل هو إهليجيٌّ، وبالتالي فإن إرسال وكالة الإمارات للفضاء مسباراً إلى المريخ يعني أن عليها انتظار حلول توقيت محدد يكون فيه المريخ أقرب ما يكون للأرض – على بعد 92.4 مليون سنة ضوئية حسب تقديرات عام 2014 – ومن ثم إطلاق المسبار بزاوية معينة أثناء اقتراب المريخ متحركاً على مداره ليتزامن وصول المسبار وهبوطه بنجاح مع وصول المريخ إلى النقطة المنشودة، تماماً كمن يحاول الرماية لإصابة هدف متحرك.

من دون شك، الطموح والتنافسية ليست الدوافع الوحيدة لهذا المشروع، بل ثمة أيضاً المكانة التي ستحققها دولة الإمارات من خلال إطلاق المسبار ونجاحه في مهمته، إذ ستنضم بذلك إلى نخبة الدول والوكالات التي أكملت هذه المهمة بنجاح، فيندرج اسمها إلى جانب وكالة ناسا الأمريكية، ووكالة الفضاء الروسية روسكوزموس، ووكالة الفضاء الأوروبية، والعضو الجديد الذي انضم مؤخراً إلى المجموعة وهي الوكالة الهندية إيسرو. وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن دولة الإمارات لا تعتزم إثبات طموحها وتحقيق المكانة فحسب، فهي لن تتوقف عند حد إنشاء واختبار وإطلاق هذا المسبار إلى المريخ، بل تعتزم إنشاء صناعة فضاء موثوقة ذات نتائج ومشروعات عملية على أرض الواقع تتيح التوسع إلى مهام فضائية جديدة والتطلع إلى أهداف أكبر في مجال علوم وتقنيات الفضاء، وتعود بالنفع على اقتصادها ومجتمعها. ولكن السؤال هنا هو: هل ستقتصر آثار هذا التوجه في دولة الإمارات على اقتصاد الدولة وتنافسيتها الصناعية أم ستمتد أبعد من ذلك؟

لنجيب عن هذا السؤال، دعونا نلقي نظرة على المستقبل ما بعد السنوات الـ 20 أو الـ 30 القادمة. أول ما سنلاحظه هو أن تأسيس بنية تحتية قوية لصناعة فضاء مستقلة وفاعلة في دولة الإمارات لن يكون ممكناً دون وجود نظام تعليمي قادر على تهيئة الكوادر اللازمة لهذه الصناعة. وبالتالي، فإن التغيير المتوقع هو التوجه نحو تعزيز مناهج التعليم وأساليبه في مواد العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات STEM في دولة الإمارات بداية، وربما في العالم العربي ككل مع توافر صناعة فضاء إماراتية قادرة على استقطاب واستيعاب الكوادر العربية المؤهلة في هذا المجال.

بالتالي، من المتوقع أن يترتب على تعزيز مناهج STEM منظومة مترابطة من التغييرات في مخرجات التعليم وسوق العمل، حيث قد نشهد تزايداً في أعداد المهندسين المؤهلين المختصين في تقنيات إطلاق الصواريخ وغيرها من مجالات الهندسة الداعمة للصناعة الجديدة. وقد نشهد أيضاً بروز قاعدة أوسع وأكثر تنوعاً من العلماء والباحثين وعلماء الرياضيات الذين قد يكون بمقدورهم المساهمة في إيجاد الحلول للمعضلات التي تؤرق البشرية اليوم. وأخيراً سيخرج التعليم المزيد من الخبراء التقنيين ممن قد يكون بمقدورهم المساهمة في ابتكار الطرق والحلول اللازمة لتنفيذ الأفكار التي يولدها أولئك المهندسون والعلماء وخبراء الرياضيات.

هذا التصور المستقبلي جميل جداً وقد يصفه البعض بأنه بعيد عن التحقق، ولكن أهميته ليست في تحققه حرفياً بالضرورة، بل في ما يحمله من أمل بأن الشرق الأوسط لن يظل واقفاً بعد اليوم على أطلال عصره العلمي الذهبي الذي انقضى في القرن العاشر الميلادي، بل إن لديه الفرصة الآن ليشهد عصراً جديداً من الاستنارة على أيدي جيل جديد من العلماء والمهندسين والتقنيين وعلماء الرياضيات، جيلٌ سيشعل فتيل تطور ثقافي قائم على مبدأ أن التركيز على اكتساب العلم والمعارف هو السبيل إلى نسيان الاضطرابات التي عمت منطقتنا في القرن الماضي، وهو ما سيمكننا من المضي قدماً في رحلتنا نحو التنمية المستدامة والتقدم، وأيضاً في رحلتنا خارج حدود كوكبنا قاصدين النجوم!